يكتب طارق يونس هذا المقال انطلاقًا من تجربة الإضراب عن الطعام التي خاضها معتقلو “فيلتون 24”، كاشفًا حدود الثقافة العلاجية الليبرالية التي تسعى إلى شفاء الأفراد دون مواجهة منظومات القمع. ويرى أن الإبادة في غزة عرّت وهم الاكتفاء بالعلاج النفسي في ظل عنف استعماري مستمر، وأعادت طرح سؤال جوهري: كيف نداوي الجراح بينما يستمر إنتاجها سياسيًا وعسكريًا؟


يوضح المقال المنشور في العربي الجديد أن الاستجابة النفسية الغربية لمعاناة الفلسطينيين ركزت على بناء شبكات علاج ودعم نفسي، أحيانًا باللغة العربية، بينما واصل المشروع الصهيوني حصاره الجوي والبري والبحري لغزة. وبعد أكثر من عامين من الإبادة، يطرح الكاتب سؤالًا صادمًا: ماذا حققت كل هذه الجهود العلاجية في ظل استمرار القتل والتجويع والاحتلال؟


حين تتحول الصدمة إلى أداة إلهاء


ينتقد الكاتب الخطاب السائد حول الصدمة النفسية، موضحًا أنه يعزل المعاناة في الماضي بينما يعيش الفلسطينيون عنفًا متواصلًا في الحاضر. ويستشهد بانتقادات مختصين فلسطينيين، مثل الدكتورة سماح جبر، الذين حذروا طويلًا من مقاربات أوروبية تفرغ التجربة الفلسطينية من سياقها السياسي، وتحوّلها إلى حالة نفسية فردية منفصلة عن الاستعمار والعنف البنيوي.


ويرى المقال أن التركيز على “شفاء الضحية” قد يصرف الانتباه عن مسارات العدالة والمحاسبة. ويقارن ذلك بحريق غرينفيل في بريطانيا، حيث ضخّت الدولة استثمارات ضخمة في خدمات الصحة النفسية، بينما تعثرت محاسبة المسؤولين واستمر استخدام المواد القابلة للاشتعال. ويكشف هذا التناقض، بحسب الكاتب، كيف يمكن للخطاب العلاجي أن يتعايش مع الإفلات من العقاب.


ويمتد التحليل إلى حوادث إطلاق النار على المساجد، حيث سارعت الحكومات إلى برامج دعم نفسي للمسلمين، بينما تجاهلت محاسبة الخطاب السياسي الذي يشرعن الإسلاموفوبيا. ويخلص الكاتب إلى أن العلاج داخل نظام ظالم لا يغير النظام، بل قد يساهم في استدامته.


إضرابات الجوع واستعادة الجسد كمساحة مقاومة


يضع المقال إضرابات الجوع التي خاضها معتقلو “فيلتون 24” في قلب هذا النقاش، معتبرًا إياها فعل مقاومة يعيد تعريف التضحية خارج القوالب العلاجية التقليدية. فهؤلاء النشطاء، المعتقلون بسبب استهدافهم شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، عطّلوا جزءًا من صناعة الموت المرتبطة بالإبادة، ودفعوا ثمن ذلك سجنًا طويلًا دون محاكمة عادلة.


ويرى الكاتب أن الدولة التي تحتكر أدوات العنف والشفاء معًا تفقد سيطرتها حين يستخدم المعتقل جسده كساحة مواجهة. فالإضراب عن الطعام ينتزع الوكالة من نظام يفترض السيطرة الكاملة، ويقلب منطق “إعادة التأهيل” إلى فعل سياسي أخلاقي يكشف نفاق الخطاب الليبرالي.


ويشير المقال إلى موجة التضامن الشعبي في بريطانيا، حيث اعتقلت الشرطة آلاف المتظاهرين، بينهم كبار سن وذوو إعاقة، فقط لأنهم حملوا لافتات ترفض الإبادة وتدعم العمل المباشر. ويعكس هذا القمع، بحسب الكاتب، مدى خوف الدولة من أي فعل يخرج عن إطار “التعاطف الآمن” غير المهدِّد.


ما بعد العلاج: العدالة أولًا


ينهي طارق يونس مقاله بالتأكيد أن حدود الصحة النفسية كانت معروفة دومًا، كما يردد الشارع: “لا عدالة، لا سلام”. فلا يمكن، برأيه، معالجة آثار الظلم دون وقفه. ويتطلب ذلك فعلًا جماعيًا وتضحية، لا جلسات علاجية معزولة عن الواقع السياسي.


ويشير إلى أن هيئة المحلفين برّأت أول ستة من معتقلي “فيلتون 24” في فبراير 2026، ما يكشف رفضًا شعبيًا واسعًا لتجريم العمل المباشر، ويفسر في الوقت نفسه سعي الحكومة البريطانية إلى تقويض نظام المحلفين. ورغم الإفراج عن بعضهم بكفالة، يواصل آخرون الإضراب عن الطعام خلف القضبان.


ويطرح الكاتب سؤالًا أخلاقيًا حاسمًا: كيف ندّعي الوقوف مع الفلسطينيين بينما نتخلى عن من خاطروا بحرياتهم دفاعًا عنهم؟ ويقترح أن الانتقال من شفاء نتائج العنف البنيوي إلى إيقافه يتطلب شجاعة سياسية تتجاوز حدود الخطاب العلاجي. ويخلص إلى أن معتقلي “فيلتون 24” رسموا هذا الطريق، وأن أقل واجب تضامني يتمثل في دعم مطالبهم والعمل على تحقيقها.

 

https://www.newarab.com/opinion/grit-and-sacrifice-not-kumbaya-can-help-deal-gaza-traumas?amp